فوزي آل سيف
152
نساء حول أهل البيت
بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [172] بل كانت مواضع دفنهم أماكن تستمطر فيها رحمة الله وبركاته ، ويرجى فيها خيره لمن دعاه ، فإن الله سبحانه وإن كان كما وصف نفسه ( قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [173]. وتستوي المسافات بالنسبة إليه قريبها وبعيدها .. إلا أنه سبحانه جعل بعض الأزمنة كليلة القدر ويوم الجمعة وشهر رمضان وسواها ، وبعض البلاد كمكة والمدينة وكربلاء ، وبعض الأماكن كالمسجد الحرام ، ومسجد النبي ، وقبور الأنبياء والأئمة ، جعل في كل تلك خصائص تجعل الدعاء أقرب للاستجابة من سائر الأماكن . وقد فهم المسلمون في أدوار تاريخهم المختلفة هذه الحقيقة فكان قبر النبي صلى الله عليه وآله والمعصومين من آله ، والأولياء ، أماكن يقصدها من يريد استلهام روح الفضيلة ممن لم يعاصر صاحب القبر .. وحرصوا على عمارتها معنى ومبنى ، فكانوا يذهبون إليها ، ويجددون بناءها[174] . نعم خرج على هذه السيرة العامة للمسلمين ، فئة ممن اعتبروا أنفسهم أصحاب توحيد الله بينما اعتبروا باقي المسلمين السابقين واللاحقين متمرغين في الشرك ، وخائضين في أوحاله .. فاعتبروا البناء على القبور شركاً[175] ، والصلاة قربها إثماً ، مع أنهم يلاحظون قبر النبي
--> 172 ) آل عمران:170 173 ) البقرة:186 174 ) ذكر غير واحد من فقهاء الجمهور أن الوقف على عمارة قبور الانبياء والعلماء والصالحين جائز وصحيح . راجع إعانة الطالبين 3 / 195 ، وفتح المعين 3 .. وأما روايات أهل البيت عليهم السلام فكثيرة في هذا الباب منها ما ذكره في الوسائل ج 14 / 383 : أن النبي صلى الله عليه وآله قال لأمير المؤمنين ( : والله لتقتلن بأرض العراق وتدفن بها ، قلت : يا رسول الله ما لمن زار قبورنا وعمرها وتعاهدها ؟ قال لي : يا أبا الحسن إن الله جعل قبرك وقبور ولدك بقاعا من بقاع الجنة وعرصة من عرصاتها ، وإن الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوة من عباده تحن إليكم ، وتحتمل المذلة والاذى فيكم فيعمرون قبوركم ، ويكثرون زيارتها تقربا منهم إلى الله ، ومودة منهم لرسوله ، أولئك يا علي المخصوصون بشفاعتي ، والواردون حوضي ، وهم زواري غدا في الجنة ، يا علي من عمر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس ... إلى آخر الحديث . 175 ) بعد كتابة هذه الأسطر رأيت كلاما مفيدا للمحقق السيد مرتضى العسكري دامت بركاته ، يرتبط بهذا الموضوع ، وكنت بين الإقدام والإحجام في نقله بكامله ، مع أنه مختصر من معالم المدرستين ، ورأيت أخيراً أن نقله ـ وإن طال ـ مناسب ، فهلم معي لقراءته ، قال حفظه الله : الخلاف حول البناء على قبور الأنبياء (ع) واتخاذها محلاً للعبادة : استدل قسم من المسلمين على تحريم البناء على القبور بروايات أهمها ما يأتي: 1 ـ عن علي قال: كان رسول الله (ص) في جنازة، فقال:أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثناً إلا كسره، ولا قبراً إلا سواه، ولا صورة إلا لطخها؟ فقال (رجل):أنا يا رسول الله، فانطلق فهاب أهل المدينة، فرجع. فقال علي:أنا أنطلق يا رسول الله. قال:فانطلق. فانطلق، ثم رجع، فقال:يا رسول الله، لم أدع بها وثناً إلا كسرته، ولا قبراً إلا سويته، ولا صورة إلا لطختها. وقد تكرر ورود هذا الحديث في كتب الحديث واكتفينا بإيراد أتم لفظ منه. علة الحديث: أولاً: سنذكر في ما يأتي أن رسول الله (ص) زار قبر أمه، وبكى وأبكى من حوله. وكانت أمه قد توفيت في السنة السادسة من عمره الشريف بالمدينة المنورة، وعلى هذا فقد زار الرسول قبر أمه بعد نيف وأربعين سنة، حين هاجر إلى المدينة المنورة، وأن أثر قبر أمه عند ذاك كان ماثلاً للعيان، وإلا لما عرف قبرها. وإذا كان الحكم الإسلامي هو تسوية القبور فلم لم يأمر النبي (ص) بهدم قبر أمه عند ذاك؟ ثانياً: إن أهل المدينة بعد أن أسلم بعضهم أرسل لهم الرسول (ص) بادئ ذي بدء مصعب بن عمير، يعلم من أسلم منهم ما ورد من الإسلام يوم ذاك. ولما وفدوا إلى الحج، حضر المسلمون منهم العقبة وبايعوا رسول الله (ص) سراً، ولم ينتشر الإسلام بينهم، إلى أن هاجر الرسول (ص) إليهم، وتبعه الإمام علي (ع) بعد ثلاث أو أكثر وقصة وروده المدينة بعد ذلك مشهورة. وتدرج الرسول (ص) في بسط حكمه على المدينة بعد أن عاهد يهود قريظة وبني النضير وبني قينقاع، ودخل أهل المدينة كلهم في الإسلام متدرجاً. فمتى كان إرسال النبي (ص) الإمام عليّاً(ع) من تشييع جنازة إلى المدينة ليهدم الأصنام ويسوي القبور ويلطخ الصور، كالحاكم الذي لا راد لأمره؟ أضف إليه أن محتوى الخبر أن المرسل الأول ذهب، وهم في تشييع الجنازة، ورجع خائباً، ثم أرسل النبي (ص) الإمام عليّاً(ع) بعده وهم لا يزالون في تشييع الجنازة. فكيف يتم ذلك!؟ ثالثاً: وفي بقية الحديث أن الإمام عليّاً(ع) قال لأبي الهياج الأسدي: أبعثك فيما بعثني رسول الله (ص) أمرني أن أسوي كل قبر وأطمس كل صنم. ولا يكون إرسال الإمام أبا الهياج الأسدي في أمر إلا في عصر خلافته، وعليه يتجه هذا السؤال: متى كان إرسال الإمام أبا الهياج الأسدي؟ أفي عصر خلافته وبعد الفتوحات الإسلامية وبعد زمن الخلفاء الثلاثة أم قبله؟ وإلى أي بلد بعث الإمام علي أبا الهياج لتهديم القبور وطمس الأصنام؟ وأخيراً في كلا الخبرين أمر من الرسول (ص) والإمام علي (ع) ـ إن صح الخبران ـ بتهديم قبور المشركين في بلد الشرك، فكيف يدل ذلك على انتشار هذا الحكم إلى قبور المسلمين ووجوب تهديمها؟ ب ـ رووا عن النبي (ص) أنه قال: اللهم لا تجعل قبري وثناً، لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . وفي الرواية الثانية شخص الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وقال:قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . علة الحديث: إن بني إسرائيل بعد أن ساروا من مصر وعبروا البحر وجازوا التيه. وبلغوا فلسطين، أصبح لهم بيت عبادة وهو (بيت المقدس) ولم يكن لهم بيت عبادة غيره. وفي عصر سليمان أصبح لسليمان الملك النبي بلاط يسمى هيكل سليمان. فأين كانت قبور أنبيائهم التي اتخذوها مساجد؟ وكان بيت المقدس وبلده تحت أنظار المسلمين والعرب قبل عصر رسول الله (ص)، وأما ما بقي من قبور أنبيائهم مثل قبر الخليل وموسى بن عمران، فإنا لم نر ولم نسمع ولم يكتب أحد أن اليهود اتخذوهما وثناً. وعلى فرض أن قبراً اتخذ وثناً، فإنه لا يصدق على احترام القبر وزيارة القبر، فإن اتخاذه وثناً يعني أن يستقبل القبر كما تستقبل الكعبة في الصلوات. فأين هذا من ذاك؟ ليس مورد الشك في كل ما ذكرناه، وما سنذكره بعد هذا، أحاديث رسول الله (ص) ـ معاذ الله ـ وإنما البحث يجري حول رواة الأحاديث الذين لم يعصمهم الله من الخطأ والسهو والنسيان.كان ما ذكرناه أمثلة من أدلة من رأي البناء على القبور مخالفاً للشريعة الإسلامية.وفي ما يأتي أدلة من رأى ذلك موافقاً لها. أدلة من رأى جواز اتخاذ مقابر الأنبياء محلاً للعبادة: يستدل من يرى صحة اتخاذ مقابر الأنبياء محلاً للعبادة بأن الطائفين حول الكعبة يطوفون حول حجر إسماعيل (ع) ويتمسحون بجداره، وفيه قبر إسماعيل (ع) وأمه هاجر، كما أجمع عليه علماء الأمة الإسلامية: فقد ورد في سيرة ابن هشام (ت: 218هـ ) وتاريخ الطبري (ت: 310هـ ) وابن الأثير (ت: 630هـ ) وابن كثير (ت: 774هـ ) واللفظ لابن هشام: ودفن ـ إسماعيل ـ في الحجر مع أمه هاجر. وفي لفظ ابن الأثير: وأوصى إسماعيل أن يدفن عند قبر أمه في الحجر. كان هذا ما ورد في كتب مدرسة الخلفاء، وورد في كتب حديث مدرسة أهل البيت كالآتي: ورد في الكافي للكليني: (ت: 329هـ ) وكتاب من لا يحضره الفقيه وعلل ا لشرائع للصدوق (ت: 381هـ ) والوافي للفيض (ت: 1089هـ ) والبحار للمجلسي (ت: 1111هـ ) واللفظ للأول: وفيه ـ أي في الحجر ـ قبر هاجر وقبر إسماعيل. وفيها أيضاً: وفيه ـ أي في الحجر ـ قبور أنبياء. ويستدلون على صحة البناء على القبر، إضافة إلى ما سبق، بأن قبور رسول الله (ص) والخليفتين أبي بكر وعمر في بناء مسقف منذ أن توفوا إلى يومنا الحاضر. ويستدلون أيضاً بقوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) البقرة/ 125. وقوله تعالى في ما أخبر عن قصة أصحاب الكهف: (قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً) الكهف/ 21. إن الوهابيين يسمون المسلمين الذين يزورون قبور الأنبياء والصحابة والأئمة بالقبوريين. ومن الأحرى، مع ما ذكرنا، أن يسموا خاتم الأنبياء (ص) وأصحابه والأنبياء من قبلهم الذين طافوا حول حجر إسماعيل (ع) بالقبوريين، لما في حجر إسماعيل من قبر هاجر وإسماعيل (ع) وولده وكذلك أنبياء من قبلهم!! هكذا كان اختلاف الأحاديث في بناء القبور، أو بالأحرى اختلاف فهم الأحاديث، منشأ هذا الخلاف.. انتهى كلام المحقق العسكري .